welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
النبوه
النبي الأكرم ومعاجزه
من المعلوم أنّ النبي قد جاء بمعجزة خالدة وهي القرآن الكريم، فهل انحصرت معاجز الرسول في القرآن فقط أو أنّه جاء بمعجزات أُخرى؟

الجواب: إنّ شبهة  انحصار معاجز النبي الأكرم في القرآن الكريم قد أُثيرت ولأوّل مرّة من قبل الكتّاب المسيحيين لتقليل أهمية الدعوة المحمدية والحط من شأن الرسول الأكرم ومنزلته وعظمته حيث زعموا أنّ معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت منحصرة في القرآن الكريم وانّه كان يتحدى قومه بالقرآن فقط وكلّما طالبه قومه بأن يأتي لهم بمعجزة أحالهم على القرآن ولم يظهر لهم أية معجزة غيره.
فهذا القسيس الألماني المعروف «فندر» صاحب كتاب «ميزان الحق» الذي كتبه حول حياة الرسول الأكرم يقول في كتابه المذكور ص 377 منتقداً النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ من شروط النبوة أن يأتي مدّعيها بمعجزة لإثبات مدّعاه ولكنّ محمّداً لم يأت بأي معجزة قط. ثمّ استشهد على مدّعاه بالآية 50 من سورة العنكبوت، والآيات 89ـ 93 من سورة الإسراء، والآيتان 109و 110 من سورة الأنعام وغيرها من الآيات.
ولم ينفرد «فندر» بطرح هذه الشبهة والانتقاد، بل أثارها قساوسة آخرون، منهم مؤلف كتاب «منار الحقّ» الذي تُرجم إلى اللغة العربية حيث أثار الشبهة في كتابه المذكور.( [1])
وقد ذكر المرحوم فخر الإسلام( [2]): إنّ «المسيو جورج دوروي» ألّف كتاباً حول حياة  نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) رسم في الصفحة 157 منه صورة خيالية للنبي الأكرم وبيده ورقة من القرآن الكريم وكتب تحت الصورة:هكذا كان محمد كلّما طالبه قومهُ بمعجزة ردّهم قائلاً ليس لي ان آتيكم بمعجزة إلاّ بإذن اللّه ولكنّ اللّه لم يمنّ عليّ بهذه النعمة، أي نعمة إظهار المعاجز.( [3])
إنّ كلام هذا المستشرق يتألّف  من فقرتين : الفقرة الأُولى منها هي عين الحقيقة وهي قوله: «إنّه ليس لي أن آتيكم بمعجزة إلاّ بإذن اللّه».
وهذا كلام صحيح نؤمن به ونعتقده ويؤيّده القرآن الكريم حيث قال سبحانه: ( ...وَ ما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ... ) .( [4])
وأمّا الفقرة الثانية فهي افتراء وكذب حيث ادّعى أنّ النبي الأكرم قال: «ولكنّ اللّه لم يمنّ عليّ بهذه النعمة ولم يعطني أيّة معجزة» ولا ريب أنّ هذا الكلام تقوّل وافتراء على الرسول الأكرم، بل دلّت الشواهد الكثيرة على أنّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أتى بمعاجز كثيرة لقومه، وانّ العناية واللطف الإلهي ـ في هذا المجال ـ شملته كباقي الأنبياء والرسل (عليهم السلام) .
كذلك من بين القساوسة القدامى نجد القسيس«اناركلي» مؤلّف كتاب «مشكاة الصدق» الذي طبع في لاهور عام 1901م قد سطّر هذه الشبهة في كتابه المذكور وسبق بقية الكتّاب المسيحيين في إثارة تلك الشبهة، واستشهد بآيات من القرآن الكريم على مزعمته هذه.
ثمّ إنّ بعض كتّاب السيرة المعاصرين قد نقل تلك الشبهة وطريقة الاستدلال عليها واعتبرها من بنات أفكاره مدّعياً أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما واجهه قومه بطلب المعجزة منه قابلهم بالسكوت أو الانصراف وكان يكتفي بالردّ عليهم: ( إِنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ( [5]) ، وما عليّ إلاّ البلاغ، و قوله: ( إِنْ أَنا إِلاّ نَذيرٌ وَبَشير ) .( [6])
إنّ هذا الكاتب لم يُشر إلى جذور تلك الشبهة في أوساط الكتّاب المسيحيين، وكأنّه المؤسّس والباني لهذه الفكرة وهذا البحث!!
المحاسبة العقلية تفنّد مزعمة القساوسة
إنّنا سواء قلنا: إنّ النبي منتخب من قبل اللّه، أو قلنا إنّه نابغة من النوابغ ومصلح اجتماعي، فعلى كلّ حال نجد الرسول الأعظم قد قرن نفسه في القرآن الكريم بباقي الأنبياء كموسى وعيسى (عليهم السلام) ، بل أنّه وصف نفسه بأنّه خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب، وهذا يعني أنّه في مرتبة أسمى وأعلى من باقي الأنبياء (عليهم السلام) .
وهذا الرسول الإلهي أو المصلح الاجتماعي حسب تعبير البعض حينما تحدّث عن حياة الأنبياء السابقين أخبر عن وقوع معاجز كثيرة على أيديهم، فقال في شأن موسى (عليه السلام) : ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آيات بَيِّنات... ) .( [7]) وقال في حقّه أيضاً: ( وأَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيات إِلى فِرْعَونَ وَقَوْمِهِ... ) .( [8])
ثمّ إنّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يتحدّث عن المسيح (عليه السلام)  ودعوته يصفه بوحي من اللّه بقوله:
( وَرَسُولاً إِلى بَني إِسْرائيلَ أَنّي قَدْجِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِوَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ ) .( [9])
ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يثبت لهذين النبيينعليمها السَّلام الإتيان  بالمعاجز فحسب، بل أثبتها لكثير من الأنبياء من قبله، وهذا واضح لمن راجع القرآن الكريم و الآيات التي تعرّضت لذكر أحوال الأنبياء وقصصهم.
فهل من الصحيح ياترى أن يأتي إنسان ويدّعي النبوة والرسالة، ويدّعي أيضاً أنّ جميع الدعوات والرسالات كانت مقرونة بالمعجزات والأُمور الخارقة للعادة ثمّ يذكر لإثبات مدّعاه مجموعة من المعاجز لمن سبقه من الأنبياء، ولكنّه حينما يطلب منه الإتيان بالمعجزة يواجه ذلك إمّا بالسكوت أو الانصراف؟!
فالمحاسبة العقلية  تدعم وبكلّ قوة موقف النبي الأكرم في مقابل طلب المعجزة منه، لأنّه نبيّ كباقي الأنبياء، ولابدّ أن يأتي بالمعجزة في الحالات التي يكون فيها الإتيان بالمعجزة نافعاً ومفيداً لهداية الناس وإرشادهم إلى الطريق القويم، حكمه في ذلك حكم من سبقه من الأنبياء الذين ذكرهم في كتابه.
وأمّا إذا قلنا: إنّه نابغة من النوابغ، وإنّه مصلح اجتماعي، وإنّه يريد من خلال نبوغه الفكري وقوة شخصيته هداية البشرية وإن كان  قد صبغ أفكاره ونظرياته بصبغة النبوّة وأوحى إلى الناس بأنّه نبي مرسل، فلا ريب أنّ مثل هكذا إنسان والذي يتميّز بالعبقرية والنبوغ لا يخفى عليه خطورة البحث عن حياة الأنبياء السابقين، وادّعاء أنّ كلّ نبيّ لابدّ أن تكون دعوته مقرونة بالمعجزة، لأنّه حينئذ يكون قد أعطى الناس الذريعة بل الورقة الرابحة في مطالبته بالإتيان بالمعجزة كباقي الأنبياء إلزاماً له بما ادّعاه، وليس بإمكانه حينئذ  السكوت أمام ذلك الطلب أو الهروب منه.
ولهذا السبب نجد أنّ منتحلي النبوة كذباً ينكرون معاجز الأنبياء، أو يحاولون وبكلّ جهد تأويل ما يدلّ على صدور المعجزة من الأنبياء، وما ذلك إلاّ تخلّصاً من الإحراج فيما إذا طالبهم الناس بالمعجزة ولكي لا يفتضح أمرهم وينكشف زيفهم أمام الملأ، وهذا على العكس تماماً من سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يؤكّد دائماً وباختيار منه ـ أي من دون أن يطلب الناس منه ذلك ـ و بصراحة تامّة على معاجز الأنبياء السابقين، بل يؤكد على أنّ دعوى الرسالة مقرونة دائماً بطلب المعجزة.
وعلى هذا الأساس كيف يمكن لمثل هذا الإنسان أن يتخلّص من طلب المعجزة؟ وكيف يتسنّى له الهروب من ذلك الموقف الحرج إذا كان كاذباً، نعوذ باللّه من ذلك؟!
خلاصة  القول: إنّ الإمعان  فيما ذكرناه يوضّح لنا بما لا ريب فيه أنّ النبي لم يكن فاقداً للمعجزة، وإنّ ما زعمه القساوسة ـ في هذا المجال ـ باطل، وذلك لأنّه:
1. انّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) صرح بما لا ريب فيه أنّ ادّعاء النبوة والرسالة يلازم طلب المعجزة، أي أنّ مدّعي النبوة يطالبه الناس بالإتيان بالمعجزة والأُمور الخارقة  للعادة لإثبات صدق مدّعاه.
2. انّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) أثبت وبضرس قاطع صدور المعجزة والأُمور الخارقة للعادة على أيدي الأنبياء السابقين.
3. انّه ادّعى كونه خاتم الأنبياء والمرسلين وانّه أفضلهم. ومن المعلوم أنّ «الأفضلية» تقتضي أن تجري المعجزة على يديه كباقي الأنبياء إن لم نقل بجريانها بصورة أكمل وأفضل، لأنّه من غير الصحيح أن يدّعي الإنسان الأفضلية لنفسه على الآخرين ولكنّه في نفس الوقت فاقد لصفات كمالية متوفرة عند من هم أدنى منه مرتبة وفضلاً. فهل من الصحيح أن يدّعي إنسان أنّه سيد الأطباء والعالم الذي لا يجارى في ميدان الطب وأنّه أفضل من جميع أطباء الدنيا وفي نفس الوقت يعترف بعجزه عن معالجة بعض الأمراض ويرى أنّ من هو أدنى منه رتبة أقدر على علاج تلك الأمراض المستعصية؟!
فكلّما قلنا: إنّ النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول مبعوث من قبل اللّه، فلازم ذلك أن يكون مزوّداً بالمعجزة كباقي الأنبياء، وأمّا إذا قلنا: إنّه مفكّر  ومصلح اجتماعي فحينئذ لا ينبغي له الاعتراف بنظرية المعجزة وإنّ كلّ نبيّ لابدّ أن يأتي  بأُمور خارقة للعادة، بل ينبغي عليه كسائر المدّعين للنبوة كذباً أن ينكر أصل المعجزة وبصورة كليّة لكي لا يقع في الحرج.
إنّ هذه المحاسبات الإجمالية تكفي أن تكون دليلاً للمنصفين وللواقعيين، أضف إلى ذلك أنّ آيات الذكر الحكيم قد أثبتت للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) معاجز أُخرى بالإضافة إلى معجزة القرآن الكريم، ولو فرضنا أنّ القرآن الكريم لا يعتبر كتاباً سماوياً بالنسبة إلى الإنسان المسيحي، ولكنّه على أقل تقدير يُعدّ سنداً تاريخياً قطعياً، ومن هذا المنطلق سوف نتعرض لذكر سلسلة من الآيات التي أكّدت على معاجز النبي الأُخرى.

[1] . أنيس الأعلام:5/349ـ 351.
[2] . هو قس مسيحي أسلم وكتب حول النصرانية وما فيها من تناقضات وخرافات كتابه القيّم « أنيس الأعلام » وغيره من الكتب القيّمة.
[3] . أنيس الأعلام:5/ 351.
[4] . الرعد: 38.
[5] . الكهف: 110.
[6] . الأعراف: 188.
[7] . الإسراء: 101.
[8] . النمل: 12.
[9] . آل عمران: 49.