welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
النبوه
العصمة وطلب المغفرة
هناك الكثير من الآيات التي نجد فيها النبي الأكرم يطلب المغفرة من اللّه سبحانه، فما هي فلسفة ذلك الطلب وما هو الهدف المنشود منه؟

الجواب: لا ريب أنّ القرآن الكريم قد خاطب النبي وفي آيات كثيرة وأمره بطلب المغفرة من اللّه سبحانه، وفي بعض الآيات نجد بالإضافة إلى طلب المغفرة إضافة كلمة (الذنب)، كما ورد ذلك في سورة النساء مثلاً حيث قال سبحانه: ( وَ اسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراًرَحِيماً ) .( [1])
وفي سورة غافر قال تعالى: ( ...وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشيّ وَ الإِبكار ) .( [2])
وفي سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الآية 19 جاء الأمر الإلهي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطلب المغفرة له وللمؤمنين حيث قال سبحانه: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ اللّهُوَ اسْتَغْفِر لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنينَ وَ المُؤمِنات وَاللّه يعَلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْويكُمْ ) . وجاء في سورة النصر في الآية الثالثة قوله سبحانه: ( وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً ) .
وحينئذ يطرح السؤال التالي نفسه، كيف ياترى ينسجم طلب المغفرة مع القول بعصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
وجواب عن ذلك يتّضح من خلال التعرّف على المسؤوليات والمهام الخطيرة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن الواضح والمسلّم به بين العقلاء أنّ عظمة الشخصية وخطر المسؤولية يقتضيان أن تكون النظرة إلى تلك الشخصية تختلف اختلافاً جوهرياً عن غيرها، فربّ عمل يُعدّ صدوره من شخص جرماً ومخالفة ولكنّه لا يُعدّ كذلك إذا صدر من إنسان آخر أقلّ شأناً من سابقه، بل قد يكون عمل ما بحكم العقل جرماً وذنباً إذا وقع في محيط معين ولا يُعدّ ذلك العمل نفسه جرماً إذا وقع في مكان آخر مغاير لذلك المكان السابق.
ولتوضيح الأمر جليّاً نقول: إنّ الأحكام الإلهية  لا تنحصر في الواجبات والمحرمات فقط، بل هناك إلى جنب الواجب يوجد المستحب وإلى جنب  المحرم يوجد المكروه ولا محيص عن الإتيان بالواجب وترك الحرام، وإنّ ترك الواجب يؤدي إلى المؤاخذة والعقاب وكذلك فعل المحرم.
وأمّا المستحبات والمكروهات ففي الوقت الذي لا يكون لتركها أو ارتكابها أي مؤاخذة قانونية ولكن قد تتوفر بعض الشروط بنحو يحكم العقل فيها بوجوب المستحب وحرمة المكروه. وبالطبع انّ هذا لا يعني أنّ المستحب قد تحول إلى واجب شرعي وانّ المكروه قد تحول إلى حرام شرعي، وذلك لأنّ الحدود والأحكام الإلهية لا تتغير أبداً، بل المراد من ذلك أنّ العقل وبالالتفات إلى تلك الشرائط يحكم بوجوب القيام بالمندوب ووجوب ترك المكروه ويرى ذلك أمراً ضرورياً، ويعدُّ  ذلك نوعاً من الواجب في إطار العقل بحيث إذا لم يصغ الإنسان ـ و في تلك الشروط ـ إلى نداء العقل يُعدّ عمله ذلك «تركاً للأولى» حسب الاصطلاح الشرعي ويعتبر ذنباً و جرماً حسب حكم العقل، إذ من الصحيح انّ عمل المستحبات وترك المكروهات سبب للجمال وتزيين الأفعال والأعمال، وانّ مخالفتها لا تستدعي أي أثر، ولكن قد يحكم العقل وبسبب وجود سلسلة من الشرائط كالعلم والمعرفة العالية بمقام الأمر والنهي الإلهي، وعظم المسؤولية، التي يتحلّى بها النبيوخطورتها بوجوب المستحب وحرمة المكروه.
ويحكم على النبي في حال المخالفة بوجوب إظهار الاعتذار وطلب المغفرة.
ولكي يتّضح الأمر جلياً نشير إلى مثالين في المقام هما:
1. إذا لاحظنا حياة الإنسان البدوي قياساً إلى حال الإنسان المتحضّر نجد أنّ الإنسان البدوي يتحلّى بنوع من الآداب والرسوم البسيطة، وذلك لبعده عن الحياة  المدنية المتحضّرة، ولذلك لا يرتقب منه أن يتحلّى بآداب ورسوم الإنسان المدني والمتحضّر، وهذا بخلاف الإنسان المتحضّر فالمرجو منه القيام بالآداب والرسوم الرائجة في الحضارات الإنسانية، فإذا لم يراع ذلك الإنسان المتحضّر آداب ورسوم المدنية فانّه يقع مورداً للذم والتوبيخ والعتاب.
كذلك الأمر بين سكان المدن أنفسهم، فإنّ المترقّب والمتوقّع من الإنسان المتعلّم غير المترقّب من الإنسان الجاهل وإن كان الجميع يقطنون في مدينة واحدة، كذلك لا يكون المرجو من سكان مراكز المحافظات وعواصم البلدان كالمترقّب من الساكنين في الأقضية والنواحي. وعلى هذا الأساس فما يصدر من الناس العاديّين لو صدر من إنسان آخر أرقى منزلة وأعلى درجة يعدّ قبيحاً ومذموماً ويلام عليه عند العقلاء، ولذلك نجد أنّ الانضباط في الأوساط العسكرية يكون بدرجة عالية جداً بحيث تعدُّ المخالفة في العرف العسكري ـ مهما ـ كانت صغيرة جداً، ذنباً وخطأ لا يمكن السكوت عليه، الأمر الذي يقتضي أن يكون الفرد العسكري عالماً بجزئيات القوانين العسكرية الحاكمة. إذاً كلّما كان مقام الشخص عالياً ومنزلته ساميةً ورفيعةً وكانت مسؤولياته خطيرة وعظيمة تزداد تكاليفه وواجباته وانّ ما يتوقّع منه أكبر ممّا يتوقّع من غيره من الناس العاديين.
2. المثال الآخر الذي يقرّب لنا الفكرة ويصبّها في قالب المحسوس هو مثال العاشقين، فإنّنا إذا نظرنا إلى حال العاشق الولهان نجده هائماً بمعشوقته وذائباً بكلّ وجوده وإحساساته ومشاعره في معشوقه ومحبوبه قلباً وفكراً وروحاً بحيث لا تغيب عن مخيّلته صورة حبيبه ولو لحظة واحدة، هذه هي لغة الحبّ وقانون العاشقين، ولذلك تعدُّ أدنى غفلة عن المعشوق ـ ولو كانت لأداء الحاجات الضرورية ـ ذنباً وجرماً حسب لغة العاشقين، لأنّ قيمة الحبّ تكمن في الاستمرار بالتذكر والذوبان في الخليل، ومن هذا المنطلق لو غفل العاشق ولو لحظة يرى من اللازم عليه التوبة وطلب الاعتذار حتّى لو كانت غفلته ناشئة من القيام بما يحتاجه من الأُمور الطبيعية المباحة كالأكل والشرب، لأنّ قانون الحبّ ولغته لا يسمحان له بذلك ويعتبران ما صدر منه جرماً، ولذلك نرى العاشقين يعرضون عن الأكل والشرب ويهجرون النوم والراحة ويكتفون من ذلك بالنزر اليسير الذي يكفي لسدّ الرمق فقط. يتّضح من خلال هذين المثالين وبجلاء الهدف من الاستغفار كما يتّضح المراد من الذنب المذكور في الآيات.
لا ريب انّ النبي الأكرم ـ وبحكم آيات العصمة ـ معصوم ومصون من أي مخالفة للقوانين والأحكام الإلهية ويستحيل أن يترك الواجب أو يفعل الحرام، ولكن هناك نكتة جديرة بالاهتمام وهي أنّ الوظائف العرفانية والأخلاقية للرسول الأكرم لا تنحصر في هذين القسمين(العمل بالواجبات وترك المحرمات) بل مقتضى عرفانه ومعرفته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمقام الربوبي يستوجبان أن لا ينقطع الرسول عن ذلك المقام ولو لحظة واحدة، وينبغي عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بمراعاة جميع آداب  الشأن الإلهي بالنحو الأكمل وأن يقدّم الأليق على اللائق دائماً، فلو فرضنا أنّ الرسول انقطع ولو لحظة واحدة لشأنه الخاص باعتباره إنساناً، فانّ هذا الانقطاع اليسير جداً يُعدُّ في منطق العرفان ذنباً وجرماً يتطلّب التوبة والمغفرة والإنابة وإن كان في منطق الشرع وطبقاً لموازين الكتاب والسنّة لا يُعدُّ جرماً ولا ذنباً.
ونحن إذا أمعنّا النظر في أسباب نزول بعض الآيات والقرائن الحافّة بها يتّضح لنا جلياً أنّ استغفار النبي من تلك الأُمور ناشئ من المعرفة العالية والعرفان السامي للنبي الأكرم الذي يوجب عليه القيام بالأُمور بشكل وطريقة أُخرى، وهذا ما يصطلح عليه المفسّرون «ترك الأولى».
فإذا كان النبي الأكرم قد أُمِرَ بطلب المغفرة في تلك الآيات أو أنّ الأنبياء قد طلبوا المغفرة كنوح وإبراهيم وموسى، فانّ طلبهم هذا يندرح تحت المعنى الذي ذكرناه، فعلى سبيل المثال نجد أنّ النبيّ نوحاً (عليه السلام)  يطلب المغفرة ويناجي ربه بقوله: ( رَبِّ اغْفِرْ لي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتي مُؤْمِناً... ) .( [3]) وإبراهيم (عليه السلام)  يقول: ( رَبَّنَا اغْفِر لي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِساب ) .( [4])
وموسى (عليه السلام)  يقول: ( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمين ) .( [5])
وهذا النبي الأكرم يقول: ( سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصيرُ ) .( [6])
إنّ جميع الطلبات  تلك تدخل في المعنى الذي بيّناه سابقاً، وإنّ الإنسان مهما سعى وجدّ لكسب رضى اللّه سبحانه وتعالى عندما يزن عمله مهما كبر وعظم بالنسبة إلى المقام الربوبي يجد أنّه لم يؤد حقّ اللّه كما ينبغي له سبحانه ويعترف حينئذ بعجزه وقصوره عن إدراك ذلك ويعبّر عن عجزه بقوله: «ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ» .
ولقد روى مسلم في صحيحه عن المزني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّه ليغان على قلبي وإنّي لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرة»( [7]). ( [8])
[1] . النساء: 106.
[2] . غافر: 55.
[3] . نوح: 28.
[4] . إبراهيم: 41.
[5] . الأعراف: 151.
[6] . البقرة: 285.
[7] . صحيح مسلم:8/72، باب استحباب الاستغفار.
[8] . منشور جاويد:7/282ـ 287.

Website Security Test