welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
النبوه
المعجزة أو الطرق العامّة لإثبات النبوة
ما هي حقيقة المعجزة، وما هي الخصائص التي ينبغي أن تتوفر فيها؟

الجواب: لقد ذكر المتكلّمون العديد من التعاريف المختلفة للمعجزة ولكنّ التعريف الجامع الذي يمكن ذكره  في تعريفها هو: المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالدعوة والتحدي مع عدم المعارضة ومطابقته للدعوة.( [1])
فقدجاء في هذا التعريف للمعجزة عدد من القيود نشير إليها بصورة إجمالية.
1. خرق العادة:
انّ المعجزة مع كونها ظاهرة خارجية تطلب لنفسها علّة خاصة، ولكنّها أبداً لا تسير حسب المنهج والطرق الاعتيادية للعلاقة بين العلّة والمعلول السائدة بين القوانين المتعارفة، بل تكون على خلاف تلك القوانين المتعارفة، فعلى سبيل المثال الحيّة الصغيرة تتحوّل وعلى أثر مرور الزمان إلى أفعى، أو أنّ المريض بسبب المعالجة والمراقبة الدائمة وتناول الدواء يبرأ من المرض ويستعيد صحته، وأنّ المياه الجوفية تستنبط من الأرض من خلال حفر القنوات والآبار العميقة أو غير العميقة، ولكن إذا حدثت تلك النتائج بدون توفر العلل الاعتيادية فلا مناص أنّها تُعدّ حينئذ أُموراً خارقة للعادة، كتحول العصا وبلحظة واحدة إلى حيّة تسعى، أو استعادة المريض صحته بمجرد أن يمسح عليه الولي بكفه، أو أن ينبع الماء بمجرد ضرب الأرض بالعصا، ولا شكّ أنّ هذه الأُمور تكون معاجز خارقة للعادة.
وبالطبع انّه من الممكن أن يكون عمل ما خارقاً لعادة في زمان ويكون اعتيادياً في زمان آخر، فعلى سبيل المثال انّ معالجة المصابين بمرض السل وغيره من الأمراض المستعصية  لم تكن في السابق من الأُمور الاعتيادية ولكن الآن ومع تطور تكنولوجيا الطب أصبحت وإلى حد ما ذات جنبة اعتيادية، وكذلك كان الطيران والتحليق في السماء من الأُمور الخارقة للعادة ولكنّه أصبح الآن من الأُمور المتعارفة والاعتيادية، نعم أصبحت أُموراً عادية ولكن ليست خارقة للعادة، وذلك لأنّها تعتمد العلل والأسباب الطبيعية المعروفة وتستمد العون منها والحال أنّ المعجزة دائماً تكون «خارقة للعادة» سواء كان ذلك في الماضي أو في الحال، وذلك لأنّ صاحبها يعتمد العلل والأسباب الخفية.
وبعبارة أُخرى: انّ الأُمور الغير الاعتيادية من الممكن أن تتحول وبالتدريج إلى حالات اعتيادية، كمعالجة السل وبعض الأمراض المستعصية حيث كان يوصف الطبيب المعالج لها بأنّه يقوم بعمل  غير اعتيادي. ولكن العمل الصادر عن طريق المعجزة دائماً يكون غير اعتيادياً حتّى مع تطور العلم واكتشاف خفايا وجزئيات الأُمور، فإنّ علم الطب مهما تطور فانّه ستبقى عملية شفاء المرضى من خلال مسح السيد المسيح (عليه السلام)  من الأُمور  الخارقة للعادة، أي أنّـها كانت ولا تزال خارقة للعادة، والنكتة في ذلك كلّه أنّ الأُمور غير العادية سابقاً والعادية فعلاً كلاهما ينبعان من معين العلل الطبيعية، ولكن مع تطور العلم واكتشاف طرق حديثة ووسائل متطوّرة تخرج تلك الأُمور وبالتدريج من حالتها الغير الاعتيادية، ولكن الأمر في المعجزة يختلف عن ذلك تماماً، لأنّها دائماً تنطلق من علل غير طبيعية، وانّ هذه العلل لا يمكن أن تكون اعتيادية، وعلى هذا الأساس تكون المعجزة دائماً أمراً غير اعتيادي.
2. دعوى النبوة:
من القيود التي ذكرت للمعجزة هي دعوى النبوة، بمعنى انّ من يأتي بأمر خارق للعادة إنّما يطلق على فعله هذا اسم المعجزة فيما إذا اقترن عمله بادّعاء أنّه صاحب منصب إلهي من جانب اللّه سبحانه، وفي غير هذه الحالة يطلق على عمله ذلك عنوان «الكرامة».
إنّ الصالحين والعظماء من الأولياء قد تجري على أيديهم بعض الأفعال التي لا تنسجم مع العلل والأسباب الطبيعية العادية ولكن في نفس الوقت انّهم ليسوا بأنبياء إلهيّين ولا عملهم يُعدّ من نوع المعجزة، فهذا القرآن الكريم يحدّثنا عن السيدة مريم (عليها السلام)   بقوله:
( ...كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى  لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب ) .( [2])
ويوجد بين الأُمم السابقة والأُمّة الإسلامية  الكثير من الأولياء الذين ـ ومن خلال طيّ طريق تهذيب النفس والسير والسلوك ـ استطاعوا التصرف والهيمنة على عالم التكوين فضلاً عن إخضاع بدنهم لإرادتهم واختيارهم.
3. التحدي:
انّ الشرط الثالث للمعجزة هو أن يدعو صاحبها العالم إلى مقابلته ومنازلته لإبطال معجزته إن استطاعوا، فإذا ما تجرد العمل الخارق للعادة عن تلك الدعوة لا يُعدّ معجزة.
ومن الطبيعي انّ ادّعاء المنصب والإتيان بعمل خارق للعادة يكون ملازماً للتحدي، وذلك لأنّه إذا ادّعى فرد ما منصباً إلهياً وقام لإثبات صدق دعواه بعمل خارق للعادة، فهذا يعني انّه يقول للناس: أيّها الناس إنّ اللّه هو الذي وهبني منصب النبوة وانّي رسول من قِبَله بهذه الشريعة، وإن كنتم تشكّون في ذلك وتعتبرون ما جئت به نتاج ذهني الخاص وفكري فهلمّوا وأتوا به إن استطعتم.
4. عدم المعارضة:
إنّ الأمر الخارق للعادة إنّما يكون دليلاً على صحّة قول المدّعي إذا كان مقترناً بالإضافة إلى القيود السابقة بعدم قدرة الناس على معارضته وعجزهم عن مقابلته والإتيان بما جاء به أو إبطاله حتّى إذا اجتمع كلّ العلماء و المتخصّصين في العالم، ففي مثل هذه الحالة يطلق على عمله أنّه معجزة وإلاّ ـ إن استطاعوا المعارضة ـ يكون عمله فعلاً عاديّاً.
فلقد كانت والى زمن قريب عملية زراعة الأعضاء، كقرنية العين أو القلب تُعدّ من الأُمور فوق الاعتيادية، ولكن لم تمض فترة إلاّ ووجدنا الكثير من الناس قد دخلوا هذا المضمار وخرجوا منه منتصرين، ولذلك لا يطلق على هذا العمل عنوان المعجزة.
ثمّ إنّ هذا القيد من القيود المهمّة للمعجزة، ولقد أشارت إليه آيات الذكر الحكيم تارة بصورة خاصة، وأُخرى على وجه العموم.
ففي قصة موسى (عليه السلام)  وفي ميدان الصراع بين الحقّ والباطل والمعجزة والسحر خاطب موسى (عليه السلام)  فرعون وملأه بقوله:
( ...قَدْ جِئْناكَ بِآيَة مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ) .( [3])
وبما أنّ مفهوم كلام موسى (عليه السلام)  انّ الآخرين عاجزون عن مواجهته وإبطال معجزته، لذلك نجد فرعون يقول في جواب كلام موسى:
( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْر مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُوَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً ) .( [4])
وكذلك نرى القرآن الكريم يذكر  بأنّ المشيئة الإلهية الحكيمة والقدرة القاهرة له سبحانه اقتضت أن يكون النصر حليف الأنبياء والرسل دائماً على مخالفيهم، يقول سبحانه:
( إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهادُ ) .( [5])
ويقول أيضاً: ( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ ) .( [6])
5. مطابقة العمل للدعوى
فيما إذا توفرت الشروط الأربعة يبقى هناك شرط آخر، وهو مطابقة العمل للدعوى، كما في إناطة قريش إيمانها بنبوّته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بشق القمر، وتسبيح الحصى وغير ذلك، فقام (صلى الله عليه وآله وسلم) بما اقترحوا عليه بإذن اللّه سبحانه، أمّا إذا كان عمل مدّعي النبوة مخالفاً ومكذّباً لمدعاه، فحينئذ لا يكون دليلاً على صدقه فقط بل سيكون دليلاً على كذبه وفضيحته وانّه قد افترى على اللّه كذباً، وقد أخزاه اللّه تعالى، فلو ادّعى أنّ الدليل على صدقه أنّه يشفي المرضى بمجرد المسح على جسدهم، ولكنّه بعد أن يقوم بالعمل يموت المريض أو تسوء حالته الصحية، فلا شكّ أنّه كاذب في دعواه حينئذ، وهذا ما حدّثنا به التاريخ عن مسيلمة الكذّاب حيث ينقل ابن الأثير في الكامل الحكاية التالية:
أتته امرأة فقالت: إنّ نخلنا لسحيق، وإنّ آبارنا لجُرُزٌ(مجدبة) فادعُ اللّه لمائنا ونخلنا كما دعا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل هزمان ... ففعل مسيلمة ذلك فغار ماء الآبار ويبس النخل.
وقال له نهار: أمرّ يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد، ففعل وأمرّ يده على رؤوسهم وحنّكهم فقرع كلُّ صبيّ مسح رأسه، ولثغ كلّ صبيّ حنّكه( [7]). ( [8])
[1] . كشف المراد:218; و شرح تجريد القوشجي: 645.
[2] . آل عمران: 37.
[3] . طه: 47.
[4] . طه: 58.
[5] . غافر: 51.
[6] . المجادلة: 21.
[7] . الكامل في التاريخ:2/362، باب ذكر مسيلمة وأهل اليمامة ضمن أحداث السنة الحادية عشرة للهجرة.
[8] . منشور جاويد:10/280ـ 287.

Website Security Test