welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
النبوه
الجذور التاريخية لظهور نظرية العصمة
لكي نفهم أصالة أي مفهوم من المفاهيم الإسلامية لابدّ من تسليط الضوء على جذور ذلك المفهوم وبيان نشأته، ومن تلك المفاهيم، مفهوم العصمة، لذلك يرجى تسليط الضوء على بيان الجذور التاريخية لهذا المفهوم.

الجواب: لقد وردت لفظة العصمة  في القرآن الكريم بجميع مشتقاتها المختلفة ثلاث عشرة مرّة، كلّها ترجع إلى معنى  واحد وهو الإمساك والمنع.
يقول ابن فارس: «عصم أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة والمعنى في ذلك كلّه معنى واحد».( [1])
والقرآن الكريم استعمل ذلك المفهوم بنفس معناه اللغوي، فعلى سبيل المثال حينما يدعو اللّه سبحانه الناس إلى الإيمان يأمرهم بالاعتصام بحبل اللّه ويستعمل كلمة «العصمة» فيقول سبحانه:
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا... )   .( [2]) وحينما ينقل لنا موقف النبي يوسف (عليه السلام)  وامتناعه عن الاستجابة والامتثال لدعوة امرأة العزيز ومراودتها إيّاه يقول تعالى:
( ...وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعصَمَ... )   .( [3])
ومن الملاحظ انّه قد استعملت لفظة العصمة في الآية الأُولى في الإمساك والتحفّظ، وفي الثانية في المنع والامتناع، والكلّ يرجع إلى معنى واحد.
وأحياناً يطلق لفظ العصمة على الشيء الذي يمتلك خاصية الوقاية ويمنع الإنسان من الوقوع في ما يكره، ومن هذا المنطلق، أُطلق هذا المصطلح  على قمم الجبال، يقول الشيخ المفيد  (قدس سره) : إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره، وليس هو جنساً من أجناس الفعل، ومنه قولهم: اعتصم فلان بالجبل، إذا امتنع به، ومنه سمّيت العصم، وهي وعول الجبال لامتناعها بها.( [4])
ومن هذه الجهة  أطلق العرب على الحبل الذي يشدّ به الرحل أو الحمل لفظ «العصام»، لأنّه وبواسطة هذا الحبل يحفظ من السقوط والتبعثر. وعلى كلّ تقدير المقصود من هذا اللفظ في بحثنا هو صيانة عباد اللّه الصالحين من الخطأ والعصيان، بل الصيانة في الفكر والعزم، فالمعصوم المطلق من لا يخطأ في حياته ولا يعصي اللّه في عمره ولا يريد العصيان ولا يفكّر به.
الجذور التاريخية لنظرية العصمة
لا ريب انّ علماء اليهود ليسوا هم الذين ابتدعوا فكرة العصمة، وذلك لأنّهم قد نسبوا إلى أنبيائهم الكثير من المعاصي حتّى أنّ العهد القديم يذكر من ذنوب الأنبياء  ـ عندهم ـ  ما يصل بعضها إلى حدّ الكبائر!
كما أنّ علماء النصارى وإن كانوا ينزّهون السيد المسيح من كلّ عيب وشين ولكنّ تنزيههم هذا لا ينطلق من رؤيتهم للمسيح على أساس كونه بشراً أُرسل لتعليم الناس وإنقاذهم، بل ينطلقون في ذلك التنزيه من فكرة مفادها انّ المسيح هو «الإله المتجسد» أو هو ثالث ثلاثة، وعند ذلك لا يمكن أن يكون المسيحيون مبدعين لهذه المسألة في الأبحاث الكلامية، لأنّ موضوعها الإنسان المرسل وهم يرون أنّ السيد المسيح فوق العنصر البشري.
ثمّ إنّ  بعض المستشرقين قد أدلى بدلوه في هذا الصدد وحاول الخوض لتفسير منشأ العصمة، منهم:«المستشرق رونالدسن» في كتابه«عقيدة الشيعة» حيث اعتبر انّ الفكرة وليدة العقل والذهنية الشيعية، فقال: إنّ فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام مدينة في أصلها، وأهميتها التي بلغتها بعدئذ إلى تطور «علم الكلام» عند الشيعة، وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم ويعلّل «رونالدسن» ذلك بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمّة ـ وأحقيّتهم ـ تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمة أو هداة.( [5])
وهذا الرأي يذهب إليه المستشرق اليهودي «جُلد تسيهر» صاحب كتاب «العقيدة والشريعة».
إنّ نظرة تحليلية إلى تاريخ ذلك المفهوم والمصادر الإسلامية «الكتاب والسنّة» تبيّن لنا وهن هذا التحليل وركاكته وأنّه لا يبتني على أُسس علمية رصينة، بل هو من الأوهام والأساطير التي اخترعتها ذهنية هؤلاء الرجال الذين ابتعدوا عن التحقيق العلمي ولجأوا إلى الوهم والخيال عداءً منهم للإسلام والمسلمين بصورة عامة وللشيعة وأئمّتهم بصورة خاصة.
ولكي تنكشف الحقيقة ويتّضح الأمر جليّاً لابدّ من دراسة المسألة في إطار المصادر الإسلامية الأصيلة.
القرآن الكريم ومسألة العصمة
إنّ العصمة التي هي بمعنى المصونية عن الخطأ والنسيان ـ وبغض النظر عن مصاديقها  ـ قد وردت في الذكر الحكيم كثيراً، فقد جاء وصف بعض الملائكة هكذا: ( ...عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لايَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) .( [6])
ولا يوجد أوضح وأدل على المطلوب من قوله سبحانه: ( ...لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) ، ولقد كان الصدر الأوّل من المسلمين ومن خلال تلاوة هذه  الآية المباركة ـ ليلاً ونهاراً ـ يدركون وبلا أدنى ريب أنّ الملائكة معصومون ويعتبرون ذلك من الأُمور المسلّمة عندهم.
وإذا كانت هذه الآية قد أثبتت العصمة للملائكة فإنّ  هناك آيات أُخرى تصف القرآن الكريم بأنّه مصون عن الخطأ والاشتباه حيث يقول سبحانه:
( لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ... )   .( [7])
ويقول جلّ اسمه: ( إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنينَ... ) .( [8])
فهذه الأوصاف  ونظائرها تنص على مصونية القرآن من كلّ خطأ وضلال وأنّه يتصدر المرتبة العليا من العصمة والنزاهة، وبالالتفات إلى هذه الآيات التي تتحدث عن عصمة الملائكة وعصمة القرآن الكريم، لابدّ من الإذعان أنّ مفهوم العصمة هو من المفاهيم القرآنية التي طرحها القرآن الكريم وألفت نظر المسلمين إليها لا أنّـها استعيرت من خارج العالم الإسلامي، أو أنّها من إبداعات الشيعة لأغراض مذهبية.( [9])
[1] . المقاييس:4/ 331.
[2] . آل عمران: 103.
[3] . يوسف: 32.
[4] . أوائل المقالات:134، باب القول في العصمة ما هيّ.
[5] . عقيدة الشيعة:328; العقيدة والشريعة: 180.
[6] . التحريم: 6.
[7] . فصلت: 42.
[8] . الإسراء: 9.
[9] . منشور جاويد:5/4ـ 6.

Website Security Test