welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
النبوه
الولاية التكوينية للأولياء الإلهيّين
لا ريب أنّ الولاية التكوينية من شؤون الموجود الذي له هيمنة وسيطرة على الخلق والمحيط به، والمجرد من صفات المادة والماديات، وهذا لا يصدق إلاّ على اللّه سبحانه، وعلى هذا الأساس يطرح السؤال التالي نفسه: كيف ياترى نفسّر الولاية التكوينية لأولياء اللّه سبحانه؟

الجواب: انّ عالم الخلق، عالم الأسباب والمسبّبات ولقد تعلّقت الإرادة الإلهية الحكيمة بذلك، وهو أنّ ما من ظاهرة أو حادثة إلاّ ولها علّة خاصة تصدر عنها، وفي نفس الوقت ينتهي جميع نظام العلل والمعاليل إلى اللّه سبحانه وتستمد قدرتها منه، فهو سبحانه الذي يخلق السبب ويمنحه القدرة والطاقة ويُهيّئه لإيجاد معلوله الخاص وفي الحقيقة أنّ المؤثّر الواقعي في تمام العالم كلّه وجود واحد هو اللّه سبحانه وتستمد منه كلّ العلل والأسباب قدرتها وإليه تنتهي.
إنّ حقيقة التوحيد هو أن نعتقد أنّه لا مؤثر بالاستقلال إلاّ اللّه وحده ولا يمكن أن نتصوّر وجود موجود يكون مقابلاً للقدرة الربوبية، بحيث يستطيع  التأثير في إيجاد معلوله بصورة مستقلة أو يستطيع التصرّف في عالم الخلق بنحو تكون إرادته مستقلة عن الإرادة الإلهية، وهذا الاعتقاد هو ما يصطلح عليه في علم الكلام بالتوحيد الأفعالي، وقد بحث ذلك بصورة مفصلة وشاملة عند التعرض لبحث مراتب التوحيد.
فإذا سلّمنا بهذا الأصل يكون الاعتقاد  بالولاية التكوينية لأولياء اللّه ليس منزّهاً عن الشرك فقط، بل هو عين التوحيد، وذلك لأنّنا حينما نعتقد بأيّ حركة تصدر من الإنسان، سواء كانت من الأُمور العادية كالمشي والكلام، أو كانت من الأُمور الغير العادية كمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء أنّها صدرت منه على نحو الاستقلال وبدون الاتّكاء على القدرة والحول الإلهي، فلا ريب أنّ مثل هذا التصوّر يكون شركاً.
ولكن إذا اعتقدنا بأنّ  العبد مهما كان مقامه ومرتبته لا يمكن أن يستقل في فعله وعمله عن القدرة والإرادة الإلهية، فلا ريب أنّنا حينئذ لم نتجاوز جادة التوحيد ولم ننحرف عن الصراط المستقيم.
فليس ملاك التوحيد والشرك بأن تنسب الأفعال العادية والأُمور الطبيعية إلى العباد ونعتقد انّهم يقومون بها بصورة مستقلة،وأمّا الأُمور العظيمة والكبيرة الخارجة عن النظام الطبيعي فننسبها إلى اللّه  بصورة مباشرة، لأنّنا  حينئذ ومن أجل الفرار من الشرك نقع في الشرك الذي نفرّ منه، بل انّ ملاك التوحيد في الفاعلية هو الاعتقاد بأنّ الإنسان وفي جميع حركاته وسكناته وأفعاله غير مستقل عن اللّه سبحانه وعن القدرة الإلهية، وانّ الإرادة والمشيئة الإلهية فوق إرادة الجميع ولا تفاوت حينئذ بين ما يصدر من الإنسان من عمل، سواء كان عادياً أو كان خارقاً للعادة.
وبعبارة أُخرى: لابدّ أن نوزن جميع المواقف والأفعال لمخلوقات العالم بالنسبة إلى المقام الربوبي بحيث لا يستطيع موجود ـ سواء كان مادياً أو مجرّداً ـ أن يقوم وبدون الإذن والقدرة الإلهية بإنجاز أي عمل كان،  وانّ كلّ فعل وتأثير بدءاً بتشعشع الشمس ومروراً بنور القمر ونزولاً إلى مشي الإنسان وكلامه وصعوداً إلى إحياء الموتى وشفاء المرضى من قبل المسيح (عليه السلام)   و...، كلّ ذلك يكون في ظل القدرة الإلهية من دون تمييز بين الفاعل العاقل والغير العاقل وبين الأفعال العادية والغير العادية وانّ جميع أفعال الإنسان تكون معلولة له بمعنى، وبمعنى آخر تكون معلولة للّه سبحانه.
وهذه الحقيقة لا  تؤيدها  وتثبتها البراهين الفلسفية فقط، بل أنّ الروايات المتواترة عن أهل بيت النبوة والرسالة قد أثبتتها، وقد عبّرت عن ذلك بـ«بل أمرٌ بين الأمرين» وذلك لأنّ طائفة من المسلمين نسبت الأفعال الصادرة من العباد إلى اللّه سبحانه بصورة مستقيمة وانّ العباد ليسوا إلاّ آلة لا غير، وهذه الطائفة يصطلح عليها  العلماء بالمجبرة; وفي مقابل هذه الطائفة هناك طائفة أُخرى يصطلح عليها اسم «المفوّضة» تعتقد أنّ الإنسان مستقل في أفعاله وما يصدر عنه ولا يحتاج إلى القدرة الإلهية، ويعتقدون أنّ الإنسان محتاج إلى اللّه سبحانه في وجوده فقط لا في فعله.
ولكنّ الأئمّة المعصومين واستلهاماً من القرآن الكريم وعلوم النبي الأكرم قد ردّوا على تلك الطائفتين وفنّدوا كلتا النظريتين بقولهم:
«لا جَبْرَ وَلا تَفويضَ بَلْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ».( [1])
إنّ قدرة عيسى (عليه السلام)  على الإحياء والإشفاء يمكن أن ننسبها إلى اللّه ونقول:«اللّه هو الذي أحيا»، ذلك لأنّ قدرة المسيح (عليه السلام)  تنبع من قدرة اللّه بحيث لو سلب اللّه سبحانه منه تلك القدرة يستحيل عليه حينئذ إشفاء المرضى وإحياء الموتى.
وفي نفس الوقت يمكن نسبة تلك الأفعال إلى المسيح (عليه السلام)  ونقول: «إنّ  المسيح أحيا الموتى، وذلك لأنّه قد أعمل قدرته ـ التي منحه اللّه سبحانه إيّاها ـ  بتمام حريته وإرادته في تلك الموارد».
ثمّ إنّنا نرى أنّ القرآن الكريم ينسب قبض الأرواح إلى اللّه سبحانه ويعتبره فعلاً له سبحانه حيث يقول سبحانه:
( اللّهُ يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتِها... ) .( [2])
وفي آية أُخرى ينسب ذلك إلى ملك الموت ويقول:
( قُلْ يَتَوَفَّيكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ... ) .( [3])
والنكتة في هاتين النسبتين، إنّ ملك الموت مأمورٌ إلهي وجندي غيبي للّه سبحانه يقدر على قبض الأرواح من خلال القدرة التي استمدها من اللّه سبحانه.
وكذلك الكلام في القدرة العجيبة والمحيّرة للسيد المسيح (عليه السلام)  فإنّه يمتلك نفس الحالة والموقع التي يمتلكها ملك الموت فكلاهما مأمور من قبله سبحانه يتحرك في ظلّ قدرته وسلطانه للقيام بما يوكل إليه من مهام. وعلى هذا الأساس يكون الاعتقاد بكون الولاية التكوينية شركاً باللّه، اعتقاد لا أساس له من الصحة ويكشف عن عدم الدقّة في نسبة علل العالم إلى اللّه سبحانه وتعالى.
الولاية التكوينية وموضوع البشرية
قد يتصوّر  أنّ القيام بالأعمال الخارقة للعادة والتصرف في عالم الخلق لا ينسجم مع مقام البشرية بحيث إنّ القدرة البشرية لا يمكن لها القيام إلاّ بالأعمال والأفعال العادية والطبيعية ولا يمكن أن تتخطّى بحال من الأحوال تلك المنزلة وذلك المقام المرسوم لها أبداً.
وعلى هذا الأساس نرى أنّه لمّا طلب مشركو قريش من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم  ببعض الأفعال الإعجازية أجابهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:
( ...سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً ) .( [4])
والإجابة عن هذا المدّعى وبصورة إجمالية: لقد أُثيرت هذه الشبهة خلال القرنين الأخيرين اللّذين ازدادت فيهما  حركة المستشرقين لدراسة الإسلام ووصلت إلى أوجها، فمن بين الشبه التي طرحوها تلك الشبهة حيث قالوا: إنّ نبي الإسلام فاقد لكلّ معجزة وكرامة، وقد تمسّكوا بالآية المذكورة لإثبات مدّعاهم.!!( [5])
إنّ الاستدلال بالآية المذكورة على نفي الولاية التكوينية بالإضافة إلى كونه ميلاً مسيحياً، يحكي عن عدم إدراك وفهم لتلك الآيات  التي عرّف الرسول فيها حقيقة نفسه وأحال فيها صدور المعجزات على الإرادة والمشيئة الإلهية.
ولقد بحثنا وبصورة شاملة مفاد تلك الآيات في كتابنا «رسالت جهانى پيامبران» أي رسالة الأنبياء العالمية، ولذلك لا نرى ضرورة لتكرار ما ذكرناه هناك ولكن يمكن الإشارة إلى ذلك بصورة إجمالية.
إنّهم طلبوا من النبي القيام بسبع معجزات بعضها من الأُمور المستحيلة والممتنعة عقلاً. مثل الإتيان باللّه كما ورد في الآية: ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ ) وبعضها الآخر ممّا لا ينسجم مع هدف الرسالة ويكون مغايراً تغايراً كاملاً لهدف الرسالة ومنافياً له، مثل إسقاط السماء على الأرض والتي لا شكّ سيؤدي إلى هلاك الجميع كما ورد في قوله: ( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً... ) .( [6])
ولا ريب أنّ ذلك ينافي هدف الرسالة الذي هو هداية الناس وقيادتهم إلى الصراط المستقيم،والبعض الآخر وإن كان في حدّ نفسه ممكناً ولا يتنافى مع هدف الرسالة ولكنّه على فرض الإتيان به  لا يكون دليلاً على صدق الرسول وعلى ارتباطه بعالم الوحي، وذلك كطلبهم منه أن تكون له جنة و... حيث قالوا: ( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخيلوَعِنَب... ) .
ومن الواضح انّ الثراء والتمكّن المادي لا يكون دليلاً على نبوة الإنسان وإلاّ لكان الرأسماليون كلّهم أنبياء إلهيّين. ولقد ردّ القرآن الكريم على ذلك الطلب بجملتين هما:
1.  ( سُبْحانَ رَبِّي ) أي  تنزّه ربّي،فقد ردّ سبحانه في هذه الجملة على طلب الرؤيا والمشاهدة الذي طلبوه من النبي، وكذلك ردّ على طلبهم ما ينافي هدف الرسالة من إسقاط السماء على رؤوسهم، و ردّ أيضاً على طلبهم بعض الأُمور التي تكون من قبيل الأُمور اللغوية التي لا تجدي نفعاً في هداية الناس وإرشادهم، ولذلك طلب سبحانه من نبيه أن ينزّهه عن كلّ واحد من تلك الأُمور المذكورة.
2. جملة: ( ...هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً )   فإنّها  على خلاف اعتقاد المستدل، لأنّ النبي الأكرم لم يُشر إلى عجزه ولم يعرّف نفسه بأنّه عاجز، بل أنّ جملة ( هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً ) تشير إلى معنى آخر، وهو أنّ مقام النبي  مقام المأمور والمطيع للأمر الإلهي لا غير، وانّه  ينفذ إرادة اللّه سبحانه كلّما شاء اللّه ذلك، وأمّا الأعمال والأفعال فإنّها بيد اللّه سبحانه وليس باستطاعة النبي التسليم مقابل كلّ ما يطلب منه من دون انتظار الإذن الإلهي.
وبعبارة أُخرى: انّ الآية في مقام  الجواب ـ بعد تنزيه اللّه ـ قد ركّزت على كلمتي «بشر» و «رسول» والهدف من ذلك أنّ الرسول الأكرم أراد أن يبيّن لهم خطأ تفكيرهم وعدم صحّة طلبهم،وذلك بالبيان التالي:
إنّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف لهم أنّ  طلبهم منه تلك الأُمور الخارقة للعادة لا يخرج عن حالتين:
إمّا أنّهم يطلبون منه ذلك باعتبار كونه بشراً مثلهم، وقد ردّ عليهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ  ـ و بلا ريب ـ طلبهم هذا باطل، لأنّ تلك  الأُمور التي أرادوها تحتاج إلى قدرة إلهية تستطيع القيام بها، ولا شكّ أنّ قدرة الإنسان العادي مهما كان  مقامه لا يمكن أن تصل إلى درجة القدرة الإلهية، وذلك الإنسان يعجز عن الإتيان بتلك الأُمور الخارجة عن قدرته.
وأمّا إذا كان طلبهم منه تلك الأُمور باعتبار كونه نبياً ورسولاً، فكذلك طلبهم باطل وغير صحيح، وذلك لأنّ  النبي لا يعدو عن كونه مأموراً فما يأمر به اللّه يمتثله وما ينهى عنه ينتهي عنه ويتركه وليس للنبي الحرية والإرادة المطلقة والاختيار الكامل والمستقل أمام الإرادة الإلهية بحيث يفعل ما يشاء متى يشاء، بل إرادته تابعة لإرادة اللّه سبحانه.
والخلاصة: أنّ الإتيان بالمعجزة لا يقع تحت اختيار وإرادة الرسول بحيث متى ما شاء هو أو طلب الناس منه الإتيان بالمعجزة يأتي بها  بلا فصل، بل النبي في الواقع ينطلق ويتحرك في ظلّ الإرادة الإلهية وتبعاً لها ولا يخرج عنها أبداً كما لا يمكن للناس أن تحدد للنبي تكليفه في الفعل أو الترك، بل تكليفه نابع من الأمر الإلهي فقط. ولا فرق في ذلك بين النبي الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين سائر الأنبياء، ويمكننا الاستدلال على هذا الأمر بآيتين من الذكر الحكيم هما قوله سبحانه:
( ...وَماكانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ... ) .( [7])
وقوله عزّ شأنه: ( وَما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ فَإِذا جاءَأَمْرُ اللّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) .( [8])
ولا ريب أنّ الإرادة الإلهية الحكيمة و الإذن بالإتيان بالمعجزة غير متوفرين دائماً مهما كانت الشروط، بل للمعجزة شروطها الخاصة بحيث متى ما توفّرت تلك الشروط يأتي الإذن الإلهي. من هذا المنطلق نرى أنّ الآيات النافية لطلب المعجزة ناظرة إلى الموارد التي يكون فيها الإذن الإلهي ـ و بسبب عدم توفر الشروط ـ غير متحقّق فعلاً، وهذا الأمر يختلف اختلافاً تاماً مع ادّعاء انّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأت بمعجزة غير القرآن الكريم، وهذا ما يصطلح عليه علمياً: انّ نفي الأخص لا يدلّ على نفي الأعم.( [9])
[1] . بحار الأنوار:5/ 71.
[2] . الزمر: 42.
[3] . السجدة: 11.
[4] . الإسراء: 93.
[5] . لقد جمع مؤلف كتاب « مشكاة صدق » الذي هو أحد علماء المسيحيين في بيت المقدس أكثر تلك الآيات في كتابه المذكور، وقد ترجم ذلك الكتاب إلى اللغة الفارسية وطبع في مدينة لاهور، وقد قام أخيراً أحد أذناب الاستعمار بجمع القسم الأعظم من تلك الآيات في كتابه الموسوم بـ « رسالت بيست و سه ساله » أي رسالة الثلاث والعشرين عاماً، وقد كتبت في نقد هذا الكتاب كتاباً تحت عنوان « راز بزرگ رسالت » أي « سرّ الرسالة العظيم » بيّنتُ فيه المراد من الآيات المذكورة، وتوضيح هدفها بصورة جلية.
[6] . لقد ورد طلبهم من الرسول بالصورة التالية: ( وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيّك حتّى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربّي هل كنت إلاّ بشراً رسولاً ) (الإسراء:90ـ 93).
[7] . الرعد: 28.
[8] . غافر: 78.
[9] . منشور جاويد:5/196ـ 201.

Website Security Test