الخميس 27 جمادى الثّانيه 1433 - Thu 17 May 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(24)


(25)

المسألة الثانية :

التثويب (1)في أذان صلاة الفجر

اتفقت الشيعة الاِمامية ـ تبعاً للنصوص المتضافرة من أئمة أهل البيت ـ على أنّ الاَذان ـ ومثله الاِقامة ـ من صميم الدين ومن شعائره، أنزله اللّه سبحانه على قلب سيّد المرسلين وأنّ اللّه الذي فرض الصلاة، هو الذي فرض الاَذان، وأنّ منشىَ الجميع واحد، ولم يشارك في تشريعه أيّ ابن أُنثى، لا في اليقظـة ولا في المنام. ففي جميع فصوله من التكبير إلى التهليل مسحة إلهية، وعذوبة وإخلاص، وسموّ المعنى وفخامته، تثير شعور الاِنسان إلى مفاهيم أرقى، وأعلى وأنبل ممّا في عقول الناس. ولو حاولت يد التشريع الانساني أن تضيف فصلاً إلى فصوله أو تقحم جملة في جُمله لاَصبح المضاف كالحصى بين الدرر والدراري.

والفصل الاَول من فصوله يشهد على أنّه سبحانه أكبر من كل شيء وبالتالي: أقدر وأعظم وأنّ غيره من الموجودات وإن بلغ من العظمة ما بلغ، ضئيل وصغير عنده خاضع لمشيئته.

والفصل الثاني يشهد على أنّه سبحانه هو الاِله في صفحة الوجود وأنّ ما سواه سراب ما أنزل اللّه به من سلطان.


(1)سيوافيك معنى التثويب في محلِّه فانتظر.


(26)

وثالث الفصول، يشهد على أنّ محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رسوله، الذي بعثه لاِبلاغ رسالاته وإنجاز دعوته.

ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل صراحه واعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها والتي بها يتّصل الانسان بعالم الغيب، وفيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثمّ الدعوة إلى الفلاح والنجاح، وخير العمل (1)التي تنطوي عليها الصلاة.

وفي نهاية الدعوة إلى الفلاح وخير العمل، يعود ويذكر الحقيقة الاَبدية التي صرّح بها في أوليات فصوله ويقول: اللّه أكبر ، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه، لا إله إلاّ اللّه.

هذه هي حقيقة الاَذان وصورته والجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جملٍ، تحكي عن حقائق أبدية، تصدّ الانسان عن الاِنكباب في شواغل الدنيا وملاذّها.

هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للاَذان، ومتدبر في فصوله ومعانيه، ولكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي ولا لغيري إخفاوَها ـ بشرط التجرّد عن كل رأي مسبق، أو تعصّب لمذهب ـ وهو أنّ الموَذِّن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، والفلاح وخير العمل ـ في أذان صلاة الفجر ـ إلى الاِعلان بأنّ الصلاة خير من النوم ، فكأنّما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلامٍ عارٍ عن الرفعة والبداعة، يُعلِن شيئاً يعرفه الصبيان ومن دونهم، يصيح ـ بجدٍ وحماسٍ ـ على شيء لا يجهله إلاّ من يجهل البديهيات، فإنّ صراخه واعلانه بأنّها خير من النوم، أشبه بصراخ من يُعلن في محتشد كبير بأنّ الاثنين نصف الاَربعة.


(1)سيأتي أنّه من فصول الاَذان أُسقط منها لغاية خاصة.


(27)

هذا هو الذي أحسسته عندما تشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام عام 1375 وأنا أستمع للاَذان في الحرمين الشريفين، ولم تزل تجول في ذهني ومخيلتي أنّ هذا الفصل ليس من كلام الوحي وانّما أُقحم بسبب، بين فصول الاَذان، فهذا ما دعاني إلى البحث والتنقيب في هذا الموضوع فلم أر بدّاً من البحث عن أمرين:

1ـ كيفية تشريع الاَذان ودراسة تاريخه.

2ـ ما هو السبب لدخول هذا الفصل بين فصول الاَذان.

المقام الاَوّل : كيفية تشريع الاَذان ودراسة تاريخه:

اتفقت أئمّة أهل البيت على أنّ اللّه سبحانه هو المشرّع للاَذان، وانّه هبط به جبرئيل وعلّمه رسول اللّه وهو علّمه بلالاً ، ولم يشارك في تشريعه أحد. وهذا عندهم من الا َُمور المسلّمة، نذكر بعض ما أثر عنهم:

1ـ روى ثقة الاِسلام الكليني بسند صحيح عن زرارة و الفضيل، عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ قال: لمّا أُسري برسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى السماء فبلغ البيت المعمور، وحضرت الصلاة، فأذّن جبرئيل _ عليه السلام _ وأقام فتقدم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصفَّت الملائكة والنبيون خلف محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

2ـ روى أيضـاً بسنـد صحيح عن الاِمـام الصـادق _ عليه السلام _ قــال: لمّا هبط جبرئـيل بالاَذان على رسـول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان رأسـه في حجـر علي _ عليه السلام _ فأذّن جبرئيل وأقام (1)فلمّا انتبه رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: علي سمعت؟ قال: نعم (1)قال:


(1)لا منافاة بين الروايتين وكم نزل أمين الوحي بآية واحدة مرّتين، والغاية من التأذين في الاَوّل غيرها في الثاني كما هو واضح لمن تدبّر.


(28)

حفظتَ؟ قال: نعم .قال: ادع لي بلالاً، فدعا علي _ عليه السلام _ بلالاً فعلّمه.

3ـ روى أيضاً بسند صحيح أو حسن عن عمر بن أذينة عن الصادق ـ عليه السلام ـ قال: تروي هوَلاء؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: في أذانهم ... فقلت: إنّهم يقولون إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم. فقال: كذبوا فانّ دين اللّه أعزّ من أن يرى في النوم. قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكراً. فقال أبو عبد اللّه (الصادق) : إنّ اللّه تعالى لمّا عرج بنبيه «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى سماواته السبع إلى آخره (2).

4ـ وروى محمد بن مكي الشهيد في الذكرى عن فقيه الشيعة في أوائل القرن الرابع، أعني ابن أبي عقيل العماني أنّه روى عن الاِمام الصادق: أنّه لعن قوماً زعموا أنّ النبيّ أخذ الاَذان من عبد اللّه بن زيد (3)فقال: ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنّه أخذ الاَذان من عبد اللّه بن زيد (4).

وليست الشيعة متفردة في هذا النقل عن أئمة أهل البيت، فقد روى الحاكم وغيره نفس النقل عنهم وإليك بعض ما أثر في ذلك المجال عن طريق أهل السنّة.


(1)كان علي _ عليه السلام _ محدَّثاً وهو يسمع كلام الملك. لاحظ صحيح البخاري وشرحه: إرشاد الساري: 6|99 وغيره باب رجاليُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء ... روى عن النبيّ أنّه قال: لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل ...
(2)الكليني: الكافي: 3|302 باب بدء الاَذان الحديث 1ـ 2 وباب النوادر ص 482 الحديث 1. وسيأتي أنّه ادّعى روَية الاَذان في النوم مايقرب من أربعة عشر رجلاً.
(3)سيوافيك نقله عن السنن.
(4)وسائل الشيعة: الجزء 4|612، الباب الاَوّل من أبواب الاَذان والاقامة، الحديث 3.


(29)

5ـ روى الحاكم عن سفيان بن الليل قال: لمّا كان من الحسن بن علي ما كان، قدمت عليه المدينة قال: فقد ذكروا عنده الاَذان فقال بعضنا: إنّما كان بدء الاَذان بروَيا عبد اللّه بن زيد، فقال له الحسن بن علي: إنّ شأن الاَذان أعظم من ذلك، أذَّن جبرئيل في السماء مثنى، وعلّمه رسول اللّه وأقام مرة مرة (1)فعلّمه رسول اللّه (2).

6ـ روى المتقي الهندي عن هارون بن سعد عن الشهيد زيد بن الاِمام علي ابن الحسين عن آبائه عن علي: أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عُلِّمَ الاَذان ليلة أُسري به وفرضت عليه الصلاة (3).

7ـ روى الحلبي عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنّا لنتحدّث أنّ بدء الاَذان كان من روَيا رآها رجل من الاَنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعاً شديداً وقال: عمدتم إلى ما هو الاَصل في شرائع الاِسلام، ومعالم دينكم، فزعمتم أنّه كان من روَيا رآها رجل من الاَنصار في منامه، يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام، قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس. قال: هذا واللّه الباطل ... (4).

8ـ روى المتقي الهندي عن مسند رافع بن خديج: لمّا أُسري برسول اللّه إلى السماء أُوحي إليه بالاَذان فنزل به فعلّمه جبرئيل. (الطبراني في الاَوسط عن ابن عمر ) (5).


(1)المروي عنهم _ عليهم السلام _ أنّ الاِقامة مثنى مثنى إلاّ الفصل الاَخير وهو مرة.
(2)الحاكم: المستدرك: 3|171، كتاب معرفة الصحابة .
(3)المتقي الهندي: كنز العمال: 6|277 برقم 397.
(4)برهان المدني الحلبي: السيرة: 2|297.
(5)المتقي الهندي: 8|329 برقم 23138 ، فصل في الاَذان .


(30)

9ـ ويظهر ممّا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج: قال عطاء: إنّ الاَذان كان بوحي من اللّه سبحانه (1).

10ـ قال الحلبي: ووردت أحاديث تدل على أنّ الاَذان شرّع بمكة قبل الهجرة، فمن تلك الاَحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر... ونقل الرواية الثامنة (2).

هذا هو تاريخ الاَذان وطريق تشريعه أخذته الشيعة من عين صافية من أُناسٍ هم بطانة سنّة الرسول يروي صادق عن صادق حتى ينتهي إلى الرسول.

وأمّا غيرهم فقد رووا في تاريخ تشريع الاَذان أُموراً لا تصح نسبتها إلى الرسول الاَعظم، يروون أنّ الرسول كان مهتمّـاً بأمر الصلاة ولكن كان متحيراً في انّه كيف يجمع الناس إلى الصلاة، مع بُعدِ الدار وتفرّق المهاجرين والاَنصار في أزِقَّة المدينة، فاستشار أصحابه في حلّ العقدة فأشاروا إليه بعدة أُمور:

1ـ أن يستعين بنصب الراية فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه.

2ـ أشاروا إليه باستعمال القُبع أي بوق اليهود، فكرهه النبي.

3ـ أن يستعين بالناقوس كما يستعين به النصارى، كرهه أوّلاً ثمّ أمر به فعمل من خشب ليضرب به للناس حتى يجتمعوا للصلاة.

كان النبي الاَكرم على هذه الحالة إذ جاء عبد اللّه بن زيد وأخبر رسول اللّه بأنّه كان بين النوم واليقظة إذ أتاه آت فأراه الاَذان، وكان عمر بن الخطاب قد رآه


(1) عبد الرزاق : همام الصنعاني (126ـ 211): المصنف: 1|456 برقم 1775.
(2)الحلبي: السيرة: 2|296 باب بدء الاَذان ومشروعيته.


(31)

قبل ذلك بعشرين يوماً فكتمه ثمّ أخبر به النبي فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فعلّمه، فتعلّم بلال الاَذان وأذّن.

هذا مجمل ما يرويه المحدثون حول تاريخ تشريع الاَذان، فتجب علينا دراسة أسناده ومتونه، وإليك البيان.

روايات حول كيفية تشريع الاَذان:

1ـ روى أبو داود (202 ـ 275) قال: حدّثنا عباد بن موسى الختلي، وزياد بن أيوب، ـ وحديث عباد أتم ـ قالا: ثنا هشيم، عن أبي بشر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الاَنصار، قال: اهتمّ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القُبْع ـ يعني الشبور ـ قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، وقال: « هو من أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى» .

فانصرف عبد اللّه بن زيد (بن عبد ربّه) وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فأُري الاَذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فأخبره فقال (له): يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت فأراني الاَذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً (1) قال: ثمّ أخبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال


(32)

له: «ما منعك أن تخبرني» ؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله» قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أنّ الاَنصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لولا أنّه كان يومئذ مريضاً، لجعله رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» موَذناً.

2ـ حدثنا محمد بن منصور الطوسي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، قال: حدثني أبي: عبد اللّه بن زيد، قال: لمّا أمر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي، وأنا نائم، رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد اللّه، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت (له): بلى، قال: فقال تقول:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه.

قال: ثمّ استأخر عني غير بعيد ثمّ قال: وتقول إذا أقمت الصلاة:

اللّه أكبر، اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه.

فلمّـا أصبحت أتيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأخبرته بما رأيت فقال: «إنّها لروَيا حق


(1)أفيصح في منطق العقل أن يكتم الاِنسان تلك الروَيا التي فيها إراحة للنبيّ وأصحابه عشرين يوماً، ثم يعلّل ذلك ـ بعد سماعها من ابنزيد ـ بأنّه استحيى...


(33)

إن شاء اللّه، فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليوَذّن به، فانّه أندى صوتاً منك». فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويوَذِّن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : فللّه الحمد» (1).

ورواه ابن ماجة (207 ـ 275) بالسندين التاليين:

3ـ حدثنا أبو عبيد: محمد بن ميمون المدني، ثنا محمد بن سلمة الحرّاني، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد عن أبيه، قال: كان رسول اللّه قد همَّ بالبوق، وأمر بالناقوس فنُحِتَ، فأُري عبد اللّه بن زيد في المنام ... إلخ.

4ـ حدثنا: محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي: ثنا أبي، عن عبد الرحمان بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنّ النبي استشار الناس لما يهمّهم إلى الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثمّ ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، فأُري النداء تلك الليلة رجل من الاَنصار يقال عبد اللّه بن زيد وعمر بن الخطاب ...

قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرّها رسول اللّه ... (2).

ورواه الترمذي بالسند التالي:

5ـ حدثنا سعد بن يحيى بن سعيد الاَموي، حدثنا أبي،حدثنا محمد بن


(1)أبو داود: السنن: 1|134ـ135 برقم 498ـ 499 تحقيق محمد محيي الدين.
(2)ابن ماجه: السنن: 1|232ـ233 باب بدء الاَذان، برقم 706 ـ 707.


(34)

إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه قال: لمّا أصبحنا أتينا رسول اللّه فأخبرته بالروَيا ... إلخ.

6ـ وقال الترمذي: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتمَّ من هذا الحديث وأطول، ثم أضاف الترمذي: وعبد اللّه بن زيد هو ابن عبد ربّه، ولا نعرف له عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شيئاً يصحّ إلاّ هذا الحديث الواحد في الاَذان (1).

هذا ما رواه أصحاب السنن المعدودة من الصحاح أو الكتب الستة ولها من الاَهمية ما ليس لغيرها كسنن الدارمي أو الدارقطني أو ما يرويه ابن سعد في طبقاته، والبيهقي في سننه، ولاَجل تلك المكانة الخاصّة فصلنا ما روي في السنن المعروفة، عمّـا روي في غيرها.

فلندرس هذه الروايات متناً وسنداً حتّى تتّضح الحقيقة ثمّ نذكر بقية النصوص الواردة في غيرها فنقول:

هذه الروايات لا تصلح للاحتجاج:

إنّ هذه الروايات غير صالحة للاحتجاج لجهات شتى:

الا َُولى: لا تتفق مع مقام النبوّة:

إنّه سبحانه بعث رسوله لاِقامة الصلاة مع الموَمنين في أوقات مختلفة. وطبع القضية يقتضي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقق هذه الا َُمنية. فلا معنى لتحيّر النبيّ


(1)الترمذي: السنن: 1| 358 ، باب ما جاء في بدء الاَذان برقم 189.


(35)

أياماً طويلة أو عشرين يوماً على ما في الرواية الا َُولى التي رواها أبو داود وهو لا يدري كيف يحقّق المسوَولية الملقاة على عاتقه، فتارة يتوسّل بهذا، وأُخرى بذاك حتى يرشد إلى الاَسباب والوسائل التي توَمِّن مقصوده، مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: «وكانَ فضل اللّهِ عليكَ عَظيماً» (النساء|113) والمقصود من الفضل هو العلم بقرينة ما قبله: «وعلَّمكَ ما لَـمْ تَكُنْ تَعلَم» .

إنّ الصلاة والصيام من الا َُمور العبادية وليسا كالحرب والقتال الذي ربّما كان النبي يتشاور فيه مع أصحابه ولم يكن تشاوره في كيفية القتال عن جهله بالاَصلح، وإنّما كان لاَجل جلب قلوبهم كما يقول سبحانه:

«ولو كُنتَ فَظّاً غَليظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَولكَ فَاعفُ عَنهُمْ وشاوِرْهُمْ في الاَمرِ فإذا عَزمتَ فتوكَّلْ عَلَـى اللّهِ» (آل عمران|159).

أليس من الوهن في أمر الدين أن تكون الروَيا والاَحلام والمنامات من أفراد عاديين، مصدراً لاَمر عبادي في غاية الاَهمية كالاَذان والاِقامة ؟ ...

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ كون الروَيا مصدراً للاَذان أمر مكذوب على الشريعة. ومن القريب جداً أنّ عمومة عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الروَيا وروّجوها، لتكون فضيلة لبيوتاتهم وقبائلهم. ولذلك نرى في بعض المسانيد أنّ بني عمومته هم رواة هذا الحديث، وأنّ من اعتمد عليهم انّما كان لحسن ظنّه بهم.

الثانية: انّها متعارضة جوهراً:

إنّ الروايات الواردة حول بدء الاَذان وتشريعه متعارضة جوهراً من جهات:


(36)

1ـ إنّ مقتضى الرواية الا َُولى (رواية أبي دواد) أنّ عمر بن الخطاب رأى الاَذان قبل عبد اللّه بن زيد بعشرين يوماً. ولكن مقتضى الرواية الرابعة (رواية ابن ماجة) أنّه رأى في نفس الليلة التي رأى فيها عبد اللّه بن زيد.

2ـ إنّ روَيا عبد اللّه بن زيد هو المبدأ للتشريع، وأنّ عمر بن الخطاب لمّا سمع الاَذان جاء إلى رسول اللّه وقال: إنّه أيضاً رأى نفس تلك الروَيا ولم ينقلها إليه استحياءً.

3ـ إنّ المبدأ به، هو نفس عمر بن الخطاب، لا روَياه لاَنّه هو الذي اقترح النداء بالصلاة الذي هو عبارة أُخرى عن الاَذان، روى الترمذي في سننه وقال: كان المسلمون حين قدموا المدينة ... ـ إلى أن قال:ـ وقال بعضهم: اتّخذوا قرناً مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر بن الخطاب: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : يا بلال قم فناد بالصلاة، أي الاَذان.

نعم فسّـر ابن حجر النداء بالصلاة بـ «الصلاة جامعة» (1)ولا دليل على هذا التفسير.

ورواه النسائي والبيهقي في سننهما (2).

4ـ إنّ مبدأ التشريع هو نفس النبي الاَكرم.

روى البيهقي: ... فذكروا أن يضربوا ناقوساً أو ينوّروا ناراً فأُمر بلال أن يشفع الاَذان ويوتر الاِقامة. قال : ورواه البخاري عن محمد بن عبد الوهاب ورواه


(1)الحلبي: السيرة النبوية: 2| 297.
(2)الترمذي: السنن: 1|362 رقم 190، النسائي: السنن: 2|3 ، البيهقي: السنن: 1|389 في باب بدء الاَذان الحديث الاَوّل.


(37)

مسلم عن إسحاق بن عمار (1).

فمع هذا الاختلاف في النقل كيف يمكن الاعتماد على هذه النقول.

الثالثة: انّ الرائي كان أربعة عشر شخصاً لا واحداً:

يظهر ممّا رواه الحلبي أنّ الرائي للاَذان لم يكن منحصراً بابني زيد والخطاب، بل ادّعى أبو بكر أنّه أيضاً رأى نفس ما رأياه وقيل: انّه ادّعى سبعة من الاَنصار، وقيل: أربعة عشر (2)كلّهم ادّعوا أنّهم رأوا في الروَيا الاَذان، وليست الشريعة ورداً لكل وارد، فاذا كانت الشريعة والاَحكام خاضعة للروَيا والاَحلام فعلى الاِسلام السلام. فالرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يستسقي تشريعاته من الوحي لا من أحلامهم.

الرابعة: التعارض بين نقلي البخاري وغيره:

إنّ صريح صحيح البخاري أنّ النبي أمر بلالاً في مجلس التشاور بالنداء للصلاة وعمر حاضر حين صدور الاَمر، فقد روى عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس ينادى لها فتكلّموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول اللّه: يا بلال قم فناد بالصلاة (3).

وصريح أحاديث الروَيا: أنّ النبي إنّما أمر بلالاً بالنداء عند الفجر إذ قصّ


(1)البيهقي: السنن: 1|390. الحديث 1 و 2.
(2) الحلبي: السيرة الحلبية: 2|300.
(3)البخاري: الصحيح: 1|120 باب بدء الاَذان.


(38)

عليه ابن زيد روَياه ذلك بعد الشورى بليلة ـ في أقل ما يتصوّر ـ ولم يكن عمر حاضراً وإنّما سمع الاَذان وهو في بيته، خرج وهو يجر ثوبه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى.

وليس لنا حمل ما رواه البخاري على النداء بـ «الصلاة جامعة» وحمل أحاديث الروَيا على التأذين بالاَذان، فانّه جمع بلا شاهد أوّلاً ، ولو أمر النبي بلالاً برفع صوته بـ «الصلاة جامعة» لحلّت العقدة ثانياً، ورفعت الحيرة خصوصاً إذا كررت الجملة «الصلاة جامعة» ولم يبق موضوع للحيرة وهذا دليل على أنّ أمره بالنداء، كان بالتأذين بالاَذان المشروع (1).

هذه الوجوه الاَربعة ترجع إلى دراسة مضمون الاَحاديث وهي بوحدتها كافية في سلب الركون عليها. وإليك دراسة أسنادها واحداً بعد الآخر. وهي بين موقوف لا يتّصل سندها بالنبي الاَكرم، ومسند مشتمل على مجهول أو مجروح أو ضعيف متروك، وإليك البيان حسب الترتيب السابق.

أمّا الرواية الا َُولى التي رواها أبو داود فهي ضعيفة:

1ـ تنتهي الرواية إلى مجهول أو مجاهيل، لقوله: عن عمومة له من الاَنصار.

2ـ يروي عن العمومة، أبو عمير بن أنس، فيذكره ابن حجر ويقول فيه: روى عن عمومة له من الاَنصار من أصحاب النبي في روَية الهلال وفي الاَذان.

وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.

وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به (2).


(1)شرف الدين: النص والاجتهاد: 137.
(2)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 12|188 برقم 767.


(39)

وقال جمال الدين: هذا ما حدث به في الموضوعين: روَية الهلال والاَذان جميع ما له عندهم (1).

أمّا الرواية الثانية: فقد جاء في سندها من لا يصح الاحتجاج به نظراء:

1ـ محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: أبو عبد اللّه المتوفّـى حدود عام 120.

قال أبو جعفر العقيلي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المدني فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة (2).

2ـ محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، فانّ أهل السنّة لا يحتجون برواياته، وإن كان هو الاَساس لـ «سيرة ابن هشام ـ المطبوعة ـ ».

قال أحمد بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عنه فقال: ... ضعيف عندي سقيم ليس بالقوي.

وقال أبو الحسن الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحاق ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي (3).

3ـ عبد اللّه بن زيد، راوية الحديث و كفى في حقّه أنّه قليل الحديث، قال الترمذي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبي إلاّ حديث الاَذان، قال الحاكم: الصحيح: أنّه قُتل بأُحد، والروايات عنه كلّها منقطعة، قال ابن عدي: لا نعرف


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 34|142 برقم 7545.
(2)المصدر نفسه: 24| 304.
(3)المصدر نفسه: 24|423 ـ424، ولاحظ تاريخ بغداد: 1|221ـ224.


(40)

له شيئاً يصح عن النبيّ إلاّ حديث الاَذان (1).

وروى الترمذي عن البخاري: لا نعرف له إلاّ حديث الاَذان (2).

وقال الحاكم: عبد اللّه بن زيد هو الذي أُرِيَ الاَذان، الذي تداوله فقهاء الاِسلام بالقبول ولم يخرج في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده (3).

وأمّا الرواية الثالثة : فقد اشتمل السند على محمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وقد تعرّفت على حالهما كما تعرفت على أنّ عبد اللّه بن زيد كان قليل الرواية، والروايات كلّها عنه منقطعة.

وأمّا الرواية الرابعة: فقد جاء في سنده:

1ـ عبد الرحمان بن إسحاق بن عبد اللّه المدني.

قال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه وكذلك قال علي بن المديني.

وقال علي أيضاً: سمعت سفيان وسئل عن عبد الرحمان بن إسحاق، قال: كان قدرياً فنفاه أهل المدينة فجاءنا هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه.

وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.

وقال أحمد بن عبد اللّه العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي.


(1) السنن: الترمذي: 1|361، ابن حجر: تهذيب التهذيب: 5|224.
(2)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 14|541.
(3)الحاكم: المستدرك: 3|336.


(41)

وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.

وقال البخاري: ليس ممّن يعتمد على حفظه ... ولا يعرف له بالمدينة تلميذ إلاّ موسى الزمعي، روى عنه أشياء في عدّة منها اضطراب.

وقال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر. وقال أحمد بن عدي: في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع (1).

2ـ محمد بن عبد اللّه الواسطي (150 ـ 240) فيعرّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه، وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين فقال: رجل سوء كذاب، وأخرج أشياء منكرة، وقال أبو عثمان سعيد بن عمر البردعي: وسألته ـ أبا زرعة ـ عن محمد بن خالد ، فقال: رجل سوء، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: يخطىَ ويخالف (2).

وقال الشوكاني بعد نقل الرواية: وفي اسناده ضعف جدّاً (3).

وأمّا الرواية الخامسة: فقد جاء في سندها:

1ـ محمد بن إسحاق بن يسار.

2ـ محمد بن الحارث التيمي.

3ـ عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على جرح الاَوّلين، وانقطاع السند في كل ما يرويان عن الثالث


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 16|519 برقم 3755.
(2)المصدر نفسه: 25|139 برقم 5178.
(3)الشوكاني: نيل الاَوطار : 2|42.


(42)

وبذلك يتضح حال السند السادس فلاحظ.

هذا ما ورد في الصحاح. أمّا ما ورد في غيرها فنذكر منه ما رواه الاِمام أحمد، والدارمي، والدارقطني في مسانيدهم، والاِمام مالك في موطئه، وابن سعد في طبقاته والبيهقي في سننه وإليك البيان:

ألف ـ ما رواه الاِمام أحمد في مسنده:

روى الاِمام أحمد روَيا الاَذان في مسنده عن عبد اللّه بن زيد بأسانيد ثلاثـة(1):

1ـ قد ورد في السند الاَول زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفّـى 203 هـ).

وقد وصفوه بكثرة الخطأ وله أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة اسنادها، وقال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة (2).

كما اشتمل على عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، وليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ رواية واحدة وهي هذه، وفيها فضيلة لعائلته، ولاَجل ذلك يقل الاعتماد عليها.

كما اشتمل الثاني على محمد بن اسحاق بن يسار الذي تعرَّفت عليه.

واشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، وينتهي إلى عبد اللّه بن زيد وهو قليل الحديث جداً.


(1)الاِمام أحمد: المسند: 4|42ـ 43.
(2)الذهبي: ميزان الاعتدال: 2|100 برقم 2997.


(43)

وقد جاء في الرواية الثانية بعد ذكر الروَيا وتعليم الاَذان لبلال:

إنّ بلالاً أتى رسول اللّه فوجده نائماً فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.

ب ـ ما رواه الدارمي في مسنده:

روى روَيا الاَذان الدارمي في مسنده بأسانيد، وكلها ضعاف وإليك الاَسانيد وحدها:

1ـ أخبرنا محمد بن حميد، ثنا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق وقد كان رسول اللّه حين قدمها ... الخ.

2ـ نفس هذا السند وجاء بعد محمد بن إسحاق: حدّثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه عن أبيه بهذا الحديث.

3ـ أخبرنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق ... والباقي نفس ما جاء في السند الثاني (1).

والاَول منقطع، والثاني والثالث مشتملان على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وقد عرفت حاله، كما تعرفت على حال ابن إسحاق.

ج ـ ما رواه الاِمام مالك في الموطأ:

روى الاِمام مالك روَيا الاَذان في موطئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى


(1) الدارمي: السنن: 1|267 ـ 269 باب بدء الاَذان.


(44)

ابن سعيد أنّه قال: كان رسول اللّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما ... (1).

والسند منقطع، والمراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود عام 70 وتوفي بالهاشمية سنة 143 (2).

د ـ ما رواه ابن سعد في طبقاته:

رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد (3)موقوفه لا يحتج بها:

الاَوّل: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفّي في عشر التسعين وقيل سنة 99.

والثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي تولّد عام 29 وتوفّـي عام 93.

والثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفّـي عام 136.

والرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفّـي عام 94 وإلى عبد الرحمان ابن أبي ليلى الذي توفي عام 82، أو 83.

وقال الذهبي في ترجمة عبد اللّه بن زيد: حدّث عنه سعيد بن المسيب وعبد الرحمان بن أبي ليلى ـ ولم يلقه ـ (4).

وروى أيضاً بالسند التالي:

أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الاَزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني


(1)مالك: الموطأ : 75 باب ما جاء في النداء للصلاة برقم 1.
(2)الذهبي: سير أعلام النبلاء: 5|468 برقم 213.
(3)ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1|246ـ247.
(4)الذهبي: سير أعلام النبلاء: 2|376 برقم 79، وسيوافيك تفصيله في المقام الثاني. والضمير يرجع إلى عبد الرحمن، وسيوافيك أنّه منالبعيد أن يروي سعيد بن المسيب عن عبد اللّه بن زيد.


(45)

عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس ... حتى أُريَ رجل من الاَنصار يقال له عبد اللّه بن زيد، وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... ـ إلى أن قال: ـ فزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرّها رسول اللّه.

فقد اشتمل السند على:

1ـ مسلم بن خالد بن قرقرة: ويقال: ابن جرحة.

ضعّفه يحيى بن معين. وقال علي بن المديني: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر (1).

2ـ محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري المدني (51 ــ123).

قال أنس بن عياض، عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرأه ولا قرىَ عليه فيقال له: نروي هذا عنك فيقول: نعم.

وقال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي: سمعت سفيان الثوري: أتيت الزهري فتثاقل عليّ فقلت له: لو أنّك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا، فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليَّ كتاباً فقال: خذ هذا فاروه عنّي فما رويت عنه حرفا (2).


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 27|508 برقم 5925.
(2) المصدر نفسه: 26|439ـ440.


(46)

هـ : ما رواه البيهقي في سننه:

روى البيهقي روَيا الاَذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علاّت وإليك الاشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:

الاَوّل: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الاَنصار ، وقد تعرفت على أبي عمير بن أنس، أنّه قال فيه ابن عبد البر : وإنّه مجهول لا يحتجّ به يروي عن مجاهيل (1)باسم العمومة، ولا دليل على كون هوَلاء من الصحابة، وإن افترضنا عدالة كل صحابي، وعلى فرض التسليم أنّ العمومة كانوا منهم لكن موقوفات الصحابي ليست بحجّة إذ لا علم بأنّه روى عن الصحابي.

الثاني: يشتمل على أُناس لا يحتج بهم:

1ـ محمد بن إسحاق بن يسار.

2ـ محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.

3ـ عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على الجميع.

الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفّـى عام 94 عن عبد اللّه بن زيد وقد عرفت أنّه لم يدركا عبد الله بن زيد.(2) وقد توفي عبد اللّه بن زيد سنة 32هـ وقد تولّد سعيد بن المسيب ـ حسب ما ينقله الذهبي ـ لسنتين مضتا من خلافة عمر . وعلى ذلك فقد تولّد عام 15 هـ فيكون عمره عند وفات زيد قريباً من 17 سنة.


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 12|188 برقم 768.
(2)البيهقي: السنن: 1|390.